الموصلات الفائقة: الثورة الهادئة التي ستعيد اختراع تكنولوجيا المستقبل
من قبل: المدرس (م.م محمد نزار محمد)
مكان العمل: المديرية العامة لتربية صلاح الدين/ قسم تربية الضلوعية.
بالتعاون مع:
المجلس الأعلى للجمعيات العلمية
تُصنف المواد في الطبيعة بناءً على قدرتها على التوصيل الكهربائي إلى: موصلات، أشباه موصلات، وعوازل. لكن العلماء نجحوا في تطوير صنف رابع فريد يسمى المواد فائقة التوصيل، والتي أحدثت ثورة حقيقية في عالم التكنولوجيا.
1-ما هي ظاهرة التوصيل الفائق
تُعد هذه الظاهرة اليوم من أهم اكتشافات فيزياء الحالة الصلبة. وتتميز بعض الفلزات والمركبات الكيميائية بأن مقاومتها النوعية لمرور التيار تنعدم تماماً عند تبريدها إلى درجة حرارة منخفضة معينة. وبتعبير آخر، يتدفق التيار الكهربائي داخل هذه المواد دون أي ضياع أو تبديد في طاقته، مما يمنحها قدرة فائقة وغير محدودة على التوصيل.
2-الاكتشاف وتحديد “الدرجة الحرجة”
يعود الفضل في اكتشاف هذه الظاهرة إلى عالم الفيزياء الهولندي هيك كاميرلنك أونيس (Heike Kamerlingh Onnes) عام 1911. أثناء دراسته لخصائص التوصيل الكهربائي للزئبق النقي، لاحظ أن مقاومته تختفي فجأة وتصبح صفراً عند تبريده باستخدام الهيليوم السائل لدرجة حرارة 4.2 كلفن (أي ما يعادل 286 تحت الصفر المئوي). وقد أُطلق على الدرجة الحرارية التي تفقد عندها المادة مقاومتها لتتحول إلى موصل فائق اسم الدرجة الحرارية الحرجة ويُرمز لها بالرمز ((Tc.
3-سباق العلماء نحو “حرارة الغرفة”
قبل هذا الاكتشاف، كان الاعتقاد السائد هو أن المواد تصبح فائقة التوصيل فقط عند درجة الصفر المطلق (-273 درجة مئوية). لكن بعد تجربة أونيس، انطلق سباق علمي للبحث عن مواد ذات درجات حرجة أعلى:
- بداية الأربعينيات: تم الوصول إلى درجة حرجة تبلغ 15 كلفن.
- عام 1973: ارتفعت الدرجة لتصل إلى 23 كلفن.
- عام 1986: نجح الباحثون في الوصول إلى 30 كلفن عبر تصنيع مواد سيراميكية خاصة.
توالت الأبحاث عالمياً لتطوير ما يُعرف بـ “المواد فائقة التوصيل عالية الحرارة والتي تقترب أكثر من درجة حرارة الغرفة القياسية.
4-الخصائص المغناطيسية الاستثنائية
إلى جانب انعدام المقاومة، تمتلك هذه المواد صفة مذهلة عند وصولها لدرجة التحول؛ وهي طردها ونفورها من المجال المغناطيسي الخارجي تماماً، مهما كانت شدته ضعيفة. هذه الخصائص الساحرة فتحت أبواب الابتكار لاستغلالها كبديل قوي لأشباه الموصلات في صناعات دقيقة مثل الترانزستورات، الخلايا الشمسية، والدوائر المتكاملة.
5-ثورة في نقل الطاقة الكهربائية
تقدم هذه التكنولوجيا حلاً جذرياً وغير مكلف لنقل الطاقة. فالشبكات النحاسية التقليدية تكلف مبالغ طائلة وتهدر طاقة كبيرة كحرارة متبددة بسبب مقاومة السلك. ولتوضيح الفرق الشاسع في الكفاءة:
- السلك النحاسي التقليدي: ينقل تياراً بشدة 100 أمبير لكل سنتيمتر مربع.
- سلك مركب YBa2Cu3O7 الفائق: يمكنه نقل تيار تبلغ شدته 100,000 أمبير لكل سنتيمتر مربع!
6-القطارات الطافية السريعة
دخلت الموصلات الفائقة بقوة في قطاع النقل الحديث، وتحديداً في تصنيع القطارات الطافية عالية السرعة. بفضل منظومة المواد فائقة التوصيل الموجودة داخل القطار، يرتفع القطار فوق السكة الحديدية ليسير دون أي احتكاك مباشر. يوفر هذا الأسلوب سرعات هائلة تصل إلى 500 كم في الساعة، مع توفير كميات ضخمة من الطاقة، وقضاء تام على الضوضاء والمطبات لضمان رحلات مريحة جداً للمسافات البعيدة.
7-تطبيقات صناعية وطبية واسعة
تتعدد الاستخدامات الحيوية الأخرى لهذه المواد لخدمة البشرية في مختلف الميادين، ومن أبرزها:
- الإلكترونيات: صناعة أجهزة حاسوب متناهية الصغر وذات كفاءة وسرعة عالية.
- تخزين الطاقة: عمل ملفات عملاقة لخزن الطاقة لزمن معين دون ضياعها.
- الطب: صنع مغناطيسات كهربائية شديدة القوة لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي ((MRI، والتي لا يمكن الاستغناء عنها في تشخيص الأمراض المستعصية.
- الاتصالات: تطوير الدوائر الكهربائية الرقمية وفلاتر المايكروويف في محطات إرسال الهواتف الخلوية.
- الجيولوجيا والنفط: استخدام كواشف متطورة (كواشف سكويد) لالتقاط الإشارات الدقيقة التي تعجز الأجهزة التقليدية عن تحسسها.
خاتمة: لا يمكن حصر تطبيقات هذه المواد في مقالة واحدة، لكنها في كل الأحوال تبشر بقفزة هائلة في التطور التكنولوجي، لا سيما إذا استُثمرت بصورة صحيحة وبإتقان.
المصدر:
Kittel, C. (2021). Introduction to solid state physics Eighth edition.

